حيدر حب الله

114

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

و - إنّنا نستفهم : كيف تابع جمع من أعلام الطائفة الشيعيّة ورجالاتها الكبار الشريف المرتضى في نظريته كابن إدريس وابن زهرة وغيرهما رغم أن قرينة الطوسي كانت قد كتبت في زمنهم ؟ فلما ذا لم تشكّل أفهامهم لكلمات المرتضى بنحو إطلاقي قرينة عكسية تدفع احتمال تخصيص كلام المرتضى ، وقرينيّة كلام الطوسي عليه ؟ الأمر الذي لا أقل يخفّف من قوّة هذا التفسير لو غضضنا النظر عن ضعفه بما أسلفنا . ز - إنّ فرضيّة التقية بمعانيها المتعدّدة ليس ما يفرض على المرتضى استخدامها ، لأنّ مراجعة الأحوال السياسية والاجتماعية عصر المرتضى في بلاد العراق زمن الدولة البويهية ( 321 - 447 ه ) المتعاطفة مع الشيعة ، وملاحظة المكانة السامية التي كان يتمتّع بها المرتضى في بلاد العراق آنذاك ، وقوّته المالية وحياته الاقتصادية الهانئة ، وزعامته لنقابة الطالبيّين « 1 » . . . يجعل من البعيد جدا أن تفرض عليه ضرورة ما تقيّة من هذا النوع ، سواء كانت بمعنى الخوف أو بمعنى المداراة ، سيّما وأن السنّة كانوا كثيرا ما يردّون الأخبار لوجود رافضة - أي شيعة - في رواتها ، فلما ذا يتحرّج المرتضى من ردّ رواياتهم ، ما دامت هذه السياسة موجودة وبقوّة في الأوساط الاجتماعية والعلميّة الأخرى ؟ ! وليس المرتضى وحده من تبعد في حقّه التقية ، بل المفيد أيضا رغم بعض الظروف القاهرة التي مرّ بها وأبعدته لمدد قصيرة عن بغداد ، فقد قال عنه البستاني في دائرة المعارف : « كان ذا جلالة عظيمة في دولة بني بويه ، وكان عضد الدولة ينزل إليه » « 2 » ، بل نجد ابن كثير الدمشقي ( 774 ه ) يصرّح بالقول : « كانت له [ للمفيد ] وجاهة عند ملوك الأطراف ، لميل كثير من أهل ذلك الزمان إلى التشيّع . . . » « 3 » ، وهكذا يصرّح ابن الجوزي ( 597 ه ) بأنّه « كانت له منزلة عند أمراء الأطراف ، لميلهم إلى مذهبه » « 4 » ، ويقول عنه اليافعي ( 768 ه ) : « وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهيّة » « 5 » ، فمن هذه أحواله من المناظرات والمقامات كيف يتصوّر مثل التقية - حتى المداراتية - في حقّه في أمر من أصول الفكر الديني ؟ وهل يخفى مثل هذا الأمر ؟ ! « 6 » وإذا كان لنا أن نتحدّث عن التقيّة فإنّ الأجدر بنا أن نجعل موقف الطوسي أنسب

--> ( 1 ) - ابن الجوزي ، المنتظم 15 : 294 ؛ وأبو القاسم كرجي ، تاريخ فقه وفقها : 147 - 149 ؛ وغيرهما كثير . ( 2 ) - بطرس البستاني ، دائرة المعارف 1 : 696 . ( 3 ) - ابن كثير الدمشقي ، البداية والنهاية 12 : 19 . ( 4 ) - ابن الجوزي ، المنتظم 15 : 157 . ( 5 ) - اليافعي ، مرآة الجنان 3 : 28 . ( 6 ) - راجع حول الحياة الشيعية الفكرية والاجتماعية في العصر البويهي ، علي حسن الجابري ، الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية : 196 - 220 .